أخر الاخبار

تحليل قصيدة " سكوتي إنشاد " لجبران خليل جبران


     ظهرت المدرسة الرومانسية في مطلع القرن العشرين، بهدف رَدِّ الاعتبار إلى الذات التي أهملها شعراء التيار الإحيائي، والثورة على ما هو قديم وتقليدي. وقد برز هذا التيار مع ثلاث جماعات أدبية
وهي جماعة الديوان والرابطة القلمية وجماعة أبولو. وقد جعلت من الذات محور كل تعبير شعري من خلال التأمل والخيال والهروب إلى عالم الطبيعة، كما جدّد شعراء هذا التيار القصيدة على مستوى المضمون متأثرين في ذلك بالشعر الغربي. ومن أبرز رواد هذا الخطاب نذكر: إليا أبوماضي، عباس محمود العقاد، علي محمود طه، أبو القاسم الشابي، بالإضافة إلى صاحب النص قيد التحليل جبران خليل جبران. فما مضمون القصيدة؟ وما خصائصها الفنية والجمالية؟ وإلى أي حد مثلت خطاب سؤال الذات؟ 

     من خلال الملاحظة البصرية لشكل القصيدة ودلالة عنوانها والوقوف على بعض أبياتها؛ نفترض أننا أمام قصيدة شعرية تنتمي لخطاب سؤال الذات، يعبر فيها الشاعر عن ذاته ومعاناته الداخلية مُعتمدا في ذلك شكل القصيدة القديمة.

يعبر الشاعر في قصيدته عن ذاته ووجدانه مُعتمداً في ذلك بعض عناصر الطبيعة؛ فسكوته إنشادٌ لمشاعر الحزن والمعاناة والهموم التي تُخَالِجُ نفسه، الشيء الذي جعله في حيرة من أمره.

     ولنقل هذه المعاني استند الشاعر على حقلين دلالين: حقل دال على الشاعر، وتدل عليه الألفاظ الآتية " أحلامي - الجوع – جسمي لوعتي - أشتكي- أرتجي..."، وحقل دال على الطبيعة  " الليل – الفجر- الدهر- البعث - النشر...". وتربط بينهما علاقة تكامل؛ لأنهما يُجسدان الصراع النفسي للشاعرومعاناته، كما أن لغة القصيدة تتسم باللّيونة واليسر وهي لغة أقرب إلى لغة الحديث اليومية المألوفة.

    وفيما يخص البنية الايقاعية؛ فقد نَظم الشاعر قصيدته وفق نِظام الشطرين المتناظرين وحدة الوزن والقافية والروي سيرا على نهج القدماء، رُغم انتمائه إلى حركة التجديد والتغيير. حيث اعتمد على إيقاع البحر الطويل، أما روي القصيدة فهو حرف (الراء)، وقافيتها مطلقة وهي (سُكْرُ).

 والمُتَأمِّلُ في الإيقاع الداخلي للقصيدة؛ يَجِدُ الشاعر قد عَمِلَ على تكرار بعض الصوامت مثل الواو في البيت الأول، والفاء في البيت الثاني، والياء في البيت الثالث... وكذا تكرار الصوائت كالكسرة في البيت الرابع، والفتحة في البيت السابع...بالإضافة إلى تكرار النسق العروضي المتمثل في نفس الوزن والقافية والروي، وتوظيف جمل متوازية جزئية كقوله: " وفي عطشي ماء - وفي صحوتي سكر" وفي لوعتي عرس - وفي باطني كشف "، " وكم أشتكي – وكم أبكي ". كما يَحْضُرُ في النص أيضا التوازي القائم على التضاد مثل: " في باطني كشف - في مظهري ستروالتوازي بالترادف؛ حيت تم التعبير عن المعنى الواحد بألفاظ مختلفة كقوله: "وكم أرتجي- وكم أبتغي ". أما الطباق فيظهر في قوله " ينثر الليل - يجمع الفجر".
وتكمن وظيفة الإيقاع بنوعيه في إضفاء نوع من الجمالية وخلق جرس موسيقي في القصيدة، مما يحقق الإمتاع للمتلقي والتأثير فيه.

     ولتصوير معاناته وتجربته الذاتية؛ استعان الشاعر بصور شعرية كالاستعارة في قوله : " فقد ينثر الليل منازعي" حيت أسند الشاعر صفة النثر لليل على سبيل الاستعارة المكنية. كما تتجلى أيضا في البيت السادس في قوله: " نظرت إلى جسمي بمرآة خاطري "ّ إذ صور خَواطِرَهُ في صورة مِرْآة تعكس ما يَجُوبُ بداخله من هموم وأحزان. كما أن البيت الرابع كلُّه كناية عن اضطراب حال الشاعر، وهي كناية عن صفة. هذا إلى جانب توظيف المجاز المرسل في البيت الأخير؛ حيت ذكر الجزء " النفس" ويقصد ذاته ككل. والمُتَأَمِّلُ في الصور الشعرية للقصيدة يَجِدُهَا تؤدي وظيفة تعبيرية مرتبطة بأحاسيس الشاعر ومشاعره ووجدانه.

     أما أسلوبيا، فقد هيمن الأسلوب الخبري على القصيدة، لكونه يُساعد الشاعر على نقل تجربة حزنه والبوح بمعاناته كقوله: (سكوتي إنشاد وجوعي ثُخْمَةٌ / وكم أشتكي همًّا وقلبي مُفاخر – وكم أبكي وثغري يفتر...)، هذا إلى جانب هيمنة ضمير المتكلم المفرد مثل: (سكوتي - عطشي - أشتكي- أحلامي...) للدلالة على أن القصيدة تعبير عن ذات الشاعر ووجدانه.

      وجملة القول، نستنتج أن القصيدة مثلت خطاب سؤال الذات خير تمثيل؛ فمن ناحية البناء اتسمت القصيدة بالوحدة العضوية، أي "وحدة المضمون" المتمثلة في تعبير الشاعر عن صراعه النفسي وعن همومه ومعاناته، ووظف لذلك إيقاعا متناغما، ولغة ليّنة مألوفة، وصور شعرية نابعة من التجربة الذاتية، مما يجعلنا نؤكد صحة الفرضية المطروحة آنفا، إذ جَدّد الشاعر قصيدتهُ على مستوى المضمون، أما الشكل فقد ظل وفِيا لنظام القصيدة العربية القديمة.

وت







ظة

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-