جاءت حركة إحياء النَّموذج عقب النهضة العربية التي شهد فيها العالم العربي تحولات تاريخية وحضارية وثقافية وفكرية، لتردَّ للشعر العربي قيمته ومكانته التي فقدها في عصور الانحطاط، واتخذت من العودة الى الترات شعارا لها ، وصار شعراؤها على نهج القدماء في بناء قصائدهم ولغتهم وأغراضهم الشعرية. و قد حمل مجموعة من الشّعراء لواء هذه الحركة، نذكر منهم البارودي وأحمدَ شوقيّ وحافظَ إبراهيم من المشارقة، وعلال الفاسي من المغاربة، الذي أسهم من خلال شعره في إعادة الاعتبار للشعر العربي القديم من خلال مجموعة من القصائد الذي تمثَّل فيها نهجَ القدماء. فما مضامين القصيدة؟ وما خصائصها الفنية والجمالية؟ وإلى أي حد تمثل هذه القصيدة شعر إحياء النموذج شكلا ومضمونا ؟.
من خلال المؤشرات البصرية لهندسة القصيدة وبدايتها ونهايتها؛ نفترض أننا أمام قصيدة تنتمي لخطاب الإحياء يعبر فيها الشاعرعن معاناته وعن حال أمته المنكودة متبعا طريقة القدماء في البناء و التصوير .
يبدأ الشاعر قصيدته بإنكاره على نفسه اللّعب واللهو والطرب بعد أن بلغ سن الخمس عشرة التي هي سن الجد في نظره، مفتخراً بنظره العالي ونفسه التي تتطلع دوْما إلى المعالي، لينتقلَ بعد ذلك إلى وصف حال أمَّته الذي لا يسُرُّ، وهو ما سبَّب له من فرط التحسر حرمانا من النّوم ونحولا في الجسم، وجرّ عليهِ ما تُعَيِّيرُه به هند. ويختم الشاعر قصيدته بالتوجه إلى الله متذرعا إليه أن يحدُّ من شقائه ومعاناته.
ولإظهار هذا التحسر، اعتمد الشاعر على حقلين
دلاليين؛ الأول دالّ على ذات
الشاعر وتدل عليه الألفاظ والعبارات التالية: " ألعب، ألهو، عندي آمال،
أتقلب..." والحقل الثاني دال على الجماعة (حالُ الأمّةِ)، ويضم الالفاظ
الاتية: " قضيت عليها، أمة منكودة الحظ، أهلي ومعشري...". ونلاحظ
أن طبيعة العلاقة بين الحقلين قائمة على السّببية، لأن تدهور حال أمة الشاعر
تسبَّبَ في معاناته. كما نلاحظ من دراستنا للمعجم أنّ لغته متوفرة على قدر كبير من الجزالة والرّصانة
والفخامة والقوة، وهي لغة ذات نفس تقـليدي تشبه إلى حد كبير لغة القدماء.
وإذا انتقلنا ناحية الإيقاع الخارجي وجدنا الشاعر قد نظم القصيدة على إيقاع البحر الطويل، وقافية مطلقة، ورويها حرف الباء الموحد في كل القصيدة . أما الإيقاع الداخلي فقد جاء غنيا؛ حيث ركز فيه الشاعر على التّكرار بأنواعه المختلفة: تكرار الصوائت كالضم والكسر، وتكرار بعض الألفاظ (تباركت)، وتكرارالنسق العروضي( البحر و القافية و الروي). وقد خلق التكرار فاعلية موسيقية قوية جعلت القصيدة مؤثرة وغنية من الناحية الإيقاعية.
ولم ينس الشاعر توظيف قدر كافٍ من الصور
الشعرية لِما لها من دور في إضفاء الجمالية لم تخرج هي الأخرى عن طريقة
القدماء في وظيفتها ووسائلها ، إذ وظف الاستعارة في البيت التاسع في قوله "
المدامع تنضب " أي تجفُّ، حيث صور المدامع في صورة ينابيع جافة على سبيل
الاستعارة المكنية ، و في البيت الحادي عشر في قوله " وهل تلد الأيام "
بحيث استعارَ صفة الولادة من الإنسان وأسندها للأيام على سبيل الاستعارة المكنية أيضا.
إلى جانب الكناية حين كنى عن السّهر بقوله(جمر الغضا).
وفيما يخص الأساليب، وظف الشاعر الأسلوب
الخبري ليصف لنا حالته وحال أمته المنكودة ، ومن أمثلة ذلك : " لي نظر
عالي، هي أمة منكودة الحظ..."، كما وظف الأسلوب الإنشائي مُمَثلا في
الاستفهام " أبعد مرور الخمس عشر ألعب ؟" الذي يفيد الإنكار
والتعجب، كما نجد استفهاما في قوله " هل حتى المدامع تنضب؟ "
ويفيد هذا الاستفهام التحسر والألم، ثم الأمر في قوله " فاقْضِ بما ترى "للدلالة
على التضرع وإظهار الضعف والاستسلامَ.
هكذا نخلص إلى أن الشاعر علال الفاسي عمل في قصيدته على تشخيص واقع أمّته الضعيفة، مبرزا ما خلّفه التفكير في حالها المزري من معاناة نفسية ونحولِ في الجسم، ومفتخرا في نفس الوقت بنفسه التي تطمحُ للعلى والمجدِ. وقصد من وراء ذلك إلى إبراز نفسه في صورة الرّجل النّاضج عقلا وفكرا، الذي يفكر في حال أمته وواقعها المرير. ووظّف لذلك معجما ولغة على قدر كبير من الجزالةِ، وصورا شعرية أضفت على النصّ رونقا وبعدا جماليا، ناهيكَ عن التزامه بالإيقاع الخليلي، وكلّها خصائص تؤكد انتماء القصيدة إلى خطاب إحياء النّموذج شكلا ومضمونا.
