أخر الاخبار

تحليل قصيدة " ردوا علي بياني " لحافظ إبراهيم


       في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ونتيجة لانتعاش الروح القومية وانتشار الوعي بالماضي، ظهر خطاب البعث والإحياء ليعيد الاعتبار للقصيدة العربية عن طريق ربط الشعر بجذوره التاريخية على ما كان عليه في عصر الازدهار؛ والمتمثلة في جزالة اللفظ ومتانة التركيب ونصاعة المعنى وقوة الجرس، متجاوزا ما وقع فيه الشعرالعربي في عصر الانحطاط من جمود وضعف. ومن أبرز شعراء هذا الخطاب نذكر: محمود سامي البارودي وأحمد شوقي وعلال الفاسي وصاحب النص حافظ إبراهيم الملقب بشاعر النيل، والذي أسهم بإبداعه في إغناء وإثراء خطاب البعث والإحياء. فما مضامين القصيدة؟ وما خصائصها الفنية والجمالية؟ وإلى أي حد استطاعت بعث الموروث الشعري القديم؟

          انطلاقا من شكل النص التقليدي وعنوانه وبدايته ونهايته، نفترض أننا أمام قصيدة تنتمي لخطاب الإحياء، يتخذ فيها الشاعر غرض الرثاء موضوعا رئيسيا له.

        استهل الشاعر قصيدته بمقدمة يصف فيها حزنه الشديد على موت البارودي إلى درجة أن الشعر لم يعد يطاوعه. ثم انتقل إلى ذكر مناقب الفقيد واصفا إياه بالكريم والجواد والشجاع ومؤنس الموتى والزاهد والفصيح والبليغ والشاعر الأصيل، مختتما قصيدته بوصف أجواء الجنازة التي تميزت بحضور الملائكة تكريما للفقيد. وبذلك يكون الشاعر قد خاض في موضوع قديم يَكْمُنُ في رثائه للبارودي والإشادة بخصاله الحميدة، مع التنويع في مضامين القصيدة، وهو ما يؤطرها ضمن خطاب,الإحياء.

        وانسجاما مع تعدد المواضيع داخل القصيدة، فقد توزعت ألفاظها على حقلين دلالين؛ الأول دال على حزن الشاعر، وتحيل عليه الألفاظ التالية  " عييت، أفحمني، هم، تسهيد، مكبود، مفؤود..." والثاني دال على مناقب الفقيد وتحيل عليه الألفاظ التالية  " مؤنس الموتى، فارس الشعر، الجود، فارس الهيجاء، السلاسة، ...". والمتأمل في معجم القصيدة، يدرك بأنه يشبه معجم القصيدة القديمة، فمعظم الألفاظ جزلة قديمة مما يدل على إحيائيتها.

         وقد نظم الشاعر قصيدته وفق البنية الإيقاعية القديمة القائمة على نظام الشطرين المتناظرين؛ حيث اعتمد على إيقاع البحر البسيط " مستفعلن فاعلن مستفعلن فعل "، وهو وزن شعري تراثي طويل النفس ينسجم وطول معاناة الشاعر، وقافية مطلقة  " هُودِي /0 / 0 "، أما حرف الروي فهو حرف الدال المدعم بياء المد لإشباع حركة الكسرة، وكلها عناصر تنسجم  مع تأثر الشاعر وجهره  بموت أستاذه ورفيق دربه.

        أما الإيقاع الداخلي، فقد تحقق باعتماد الشاعر على تكرار الصوامت ( حرف الياء- اللام- الواو-النون...)، والصوائت (الفتحة-الكسرة...)، وتكرار الكلمات مثل:    " نزحت، نزحت/  تجري، جري /عييت، أعيا "، والجناس " محمود مكبود، مفؤود..."، والطباق " من بيض ومن سود".  ناهيك عن توظيف التوازي الجزئي والنحوي على مستوى البيت الثاني (ماللبلاغة//ما لحبل)، والتوازي العمودي الجزئي ( لبيك يا مؤنس// لبيك يا شاعرا// لبيك يا خير). بالإضافة إلى تكرار النسق العروضي المتمثل في وحدة الوزن والقافية والروي.

وتكمن وظيفة الإيقاع بنوعيه الداخلي والخارجي في خلق جرس موسيقي ينسجم مع معاناة الشاعر بغية التأثير في المتلقي.

           وفيما يخص الصور الشعرية، فقد عبر الشاعر عن حزنه الشديد جراء موت البارودي بتوظيف مكونات بيانية كالتشبيه؛ حين وظف التشبيه التمثيلي في قوله " تجري السلاسة في أثناء منطقه، جري الماء في العود " مشبها فصاحة الشاعر، بجريان الماء في العود، ليؤكد بأن فصاحة الشاعر سلسة. أما الاستعارة فتظهر في قوله "ما للبلاغة غضبى" حيث شخص البلاغة في صورة إنسان يغضب على سبيل الاستعارة المكنية؛ ليصور كيف أنها غضبت منه لاعتقادها الخاطئ بأنه لم يحزن على موت صاحبه الذي لطالما علمه طريقة نظم الشعر، وكذا في قوله " تجري السلاسة " حيث استعار للسلاسة صفة الجري من الإنسان، ليؤكد بأن البارودي كان فصيحا طليق اللسان، إلى جانب حضور الكناية في قوله (غضوا العيون- مؤنس الموتى) للدلالة على احترام وتقدير الفقيد.

وهكذا يكون الشاعر قد خلق عالمه التصويري باستحضار صور بيانية حسية، أدت وظيفة تزيينية جمالية لقصيدته. 

          أما أسلوبيا فقد هيمن الإنشاء على الخبر؛ حيث وظف هذا الأخير ليخبرنا عن تجربة حزنه على موت الفقيد كقوله: ظنت سكوتي صفحا عن مودتهّ ** فأسلمتني إلى هم وتسهيد. وذكر بعض مناقب الفقيد كقول الشاعر: تجري السلاسة في أثناء منطقه**  تحت الفصاحة جري الماء في العود. كما وظف أساليب إنشائية ساهمت في التعبير عن انفعال الشاعر وتأثره بالفاجعة التي لم يكن ينتظرها، ومن أمثلة ذلك أسلوب الأمر: ردوا علي بياني/ النداء: يا فارس الشعر/ الشرط: ولو درت... / الاستفهام: ما للبلاغة لا تطاوعني؟ . هذا وقد مزج الشاعر بين ضمير المتكلم الذي يحيل على الشاعر " سكوتي، عييت،أسلمتني..." وضمير المخاطب الذي يحيل على الفقيد " لبيك، نزحت، أغمضت " وضمير الجمع الذي يحيل على جماعة المشيعين للجنازة  " غضوا، يصحبكم..." للدلالة على أن القصيدة تعبير عن الذات وعن الجماعة،  وكلها مؤشرات تدل على إحيائيتها. 

          وختاما نؤكد بأن قصيدة حافظ ابراهيم، قصيدة إحيائية شكلا ومضمونا؛ حيث عبر فيها عن حزنه وتأثره لموت البارودي، قاصدا تخليد ذكراه والإعلاء من شأنه ومكانته بتوظيف غرض الرثاء القديم. وقد استعان في ذلك بلغة جزلة بدوية قديمة، وصور حسية بيانية أدت وظيفة جمالية كالتشبيه والاستعارة، وبنية إيقاعية قديمة تنتصر لوحدة الوزن والقافية والروي، لتكون بذلك القصيدة قد ساهمت في تطور الشعر العربي الحديث من خلال بعث الموروث الشعري القديم شكلا ومضمونا بعد سنوات من الانحطاط.

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-