تحليل نص قصصي : " حدث ذات يوم في الجبل الأقرع " لأحمد بوزفور
عرف الأدب العربي القديم أشكالا نثرية متعددة كفن المقامة والخطابة والحكاية العجائبية وأدب الرحلة. ولم تقف الأشكال النثرية في تطورها عند هذا الحد، بل ظهرت فنون نثرية جديدة نتيجة ما حصل من تطور ثقافي واجتماعي وحضاري؛ حيث أثمر هذا التطور فن المسرحية والقصة القصيرة التي ظهرت في بداية القرن العشرين نتيجة عدة عوامل؛ كالترجمة، وانتشار الصحافة، والمثاقفة مع الحضارة الغربية. ويقوم هذا الفن الجديد على الحدث، والشخصيات، والزمكان والحوار والعقدة والحبكة، كما يتميز بقلة الكم ووحدة الانطباع ودقة التصميم والاختزال. ومن رواده في الأدب العربي نذكر: يحيى حقي، محمود تيمور، عبد الكريم غلاب، عبد المجيد بن جلون، نجيب محفوظ، وصاحب النص أحمد بوزفور الذي أبدع في هذا الفن. فما المتن الحكائي فيها؟ وما خصائصها الفنية؟ وما رهان الكاتب فيها؟
انطلاقا من العنـوان " حدث ذات يوم في الجبل الأقـرع "، وبعض المؤشـرات الخارجية للنص، من قبيل: " سافر في الليل، سار مسـافة طويلة، انخرط في البكاء، صوبها في هدوء." نفتـرض أننا أمام قصة قصيرة ذات طابع واقعي واجتماعي، يعالج فيها الكاتب معاناة إنسان المدينة وسعيه إلى الاستجمام والترويح عن نفسه.
عبر الكاتب في قصته عما يعانيه إنسان المدينة من قلق نفسي، وضغط اجتماعي يؤثر عليه نفسيا وفكريا. حيث بدأت القصة بسفر البطل وهو نموذج إنسان المدينة المريض نفسيا، ووصوله إلى مكان يسمى بالجبل الأقرع وفي نيته أن يتخلص من معاناته النفسية عن طريق الصيد، وبعد مرور وقت ليس بالقصير سمع حركة غزالة حاول اصطيادها لكنه فشل في الأمر، مما عمق لديه الإحساس بالفشل والإحباط، وزاد من ضغطه النفسي فاستسلم للبكاء. وقرّر دون أن يشعر أن يوجه الخطاب للغزالة باثا لها معاناته، وبعد طول إعياء استطاع أن يصيد الغزالة ويحقق هدفه.
وتنتظم هذه الأحداث وفق خطاطة سردية، استهل فيها الكاتب وضعية البداية بسفر البطل إلى الجبل الأقرع لصيد الغزلان، هاربا من ضغط المدينة قصد التخلص من معاناته. فلما وصل للمكان، سمع حركة خفيفة من الغزالة الشيء الذي خلخل الأحداث وأدى إلى تعقدها في وضعية الوسط؛ إذ حاول البطل اصطيادها ببندقيته لكنه فشل في ذلك، مما زاد من توتره وضغطه النفسي. فارتمى منهمكا على الرَّمل، يفصح للغزالة عن همومه وأحزانه ويعتذر لها عن أفعاله، ويتمثل عنصرالانفراج في القصة في رأية البطل لبندقيته التي تخلى عنها، أخذها فصوب نحو الغزالة لتمكن من صيدها في نهاية القصة .
وقد اعتمد الكاتب خصائص فنية في معالجة موضوع القصة؛ إذ وظف شخصيات تحرك الأحداث، ويمكن الوقوف في القصة المدروسة على نوعين من هذه الشخصيات نبينها كالآتي:
شخصيات رئيسية: تتمثل في شخصية البطل، وهو إنسان ينتمي إلى المدينة، يعاني نفسيا، يسيطر عليه القلق والتوتر، هارب من المدينة ، ليمارس الصيد.
وشخصيات ثانوية: وهم سكان المدينة الذين يُمَثلون السبب في معاناة البطل وسفره، إضافة إلى وجود قوى فاعلة غير آدمية كالغزالة التي تمثل الهدف والسبيل للتخلص من معاناة البطل، والبندقية، والسيارة، والرصاصة. وعموما أدت الشخصيات بنوعيها دورا في تنامي وتطور الأحداث والسير بها إلى نقطة النهاية.
وقد تفاعل كل من الزمان والمكان في رسم معاناة البطل وتسليط الضوء على واقع إنسان المدينة النفسي والاجتماعي، فبالنسبة للإطار الزمني وقعت القصة بين الليل والنهار، لكن السارد ركز على لحظة الصيد وذلك عائد إلى الرغبة في إبراز التوتر النفسي الذي تعيشه الشخصية، أما بالنسبة للفضاء المكاني فقد دارت أحداث القصة في أمكنة متعددة، كالطريق والجبل الأقرع والمدينة وتحمل هذه الأمكنة دلالات متباينة؛ إذ تدل المدينة على الضغوط والقيود والتوتر، فيما يرمز الجبل الأقرع إلى الحرية والراحة النفسية والهدوء.
وإذا تأملنا نوع الرؤية السردية، وجدنا الكاتب عالما بكل التفاصيل ومحيطا بكل الجزئيات، مما يعني أن الرؤية السردية المهيمنة في القصة هي الرؤية من الخلف ، لذا فالسارد متوارٍ عالم بكل صغيرة وكبيرة : " سافر في الليل، كان قد جهز كل شيء ". وإلى جانب السرد، نجد حضورا للوصف الذي استغله الكاتب للإيضاح وتقريب المعنى والصورة من المتلقي ومن نماذجه " حزين، وتعب ومريض، أخذ يهبط الجبل في إعياء.." ، أما الحوار فيحضر بنوعيه، حوار داخلي تخاطب فيه الشخصية ذاتها كقولها " ينبغي أن لا أضيع الوقت "، ويبرز هذا الحوار ما تعانيه الشخصية من توتر داخلي وتأزم نفسي جعلها تلجأ إلى مخاطبة نفسها . والنوع الثاني الحوار الخارجي ومن أمثلته في النص ما جاء على لسان البطل : " أنا حزين يا سيدتي، أنا هارب، أصابني السرطان "، وتكمن أهمية الحوار الخارجي في إفصاحه عن أفكار الشخصية وأحاسيسها والتعبير عن موقفها.
وجملة القول، فإن الكاتب عالج في قصته واقع إنسان المدنية الذي يعاني من كل الضغوط النفسية والاجتماعية، وقد اختار لبيان ذلك نموذجا إنسانيا ينتمي إلى المدنية ويفرُّ منها هاربا من واقعه المتأزم ، ولخدمة مقصديته وإيصال فكرته وظف لغة سردية قصصية يجمع فيها بين السرد والحوار والوصف، واعتماده رؤية سردية من الخلف بغية خدمة المعنى وجعله واضحا في ذهن القارئ. وقد راهن في قصته على انتقاد واقع المدينة الذي أفرز نماذج بشرية متأزمة، الشيء الذي يؤكد انتماء النص إلى جنس القصة القصيرة، ذات بعد اجتماعي وواقعي.
